السيد محمد تقي المدرسي

85

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

بها يعطيه قوة وهيمنة عليها . والعلم كضوء كاشف يسلطه العقل على الأشياء فتتوضّح عند الانسان ، ودليل ذلك ان توجيه العلم تلقاء هذا الشيء أو ذاك يتم بإرادة الانسان وبقدرته فلو شاء كشف هذا الشيء ولو شاء كشف ذلك . ولو شاء حجبه عن الأشياء فلم يكشف منها شيئاً . وقد يفقد الانسان العلم ، فلا ينفعه الاندماج مع الأشياء فالطفل الصغير لا تنقصه الحواس ، ولكنه غير عالم ، كذلك الغافل والناسي والجاهل والساهي ومن أشبه . وهنا أثيرت مشكلة الخطأ ، فكثيراً ما يظن الانسان انه عالم بحقيقة شيء وهو بها جاهل فكيف تفسّر الواقعية الخطأ ؟ بعضهم قالوا : الخطأ علم بالخطأ وان موضوع الخطأ قائم موجود ، ويبدو انه مجرد فرار من المشكلة فأيّ وجدان يقبل ان يكون الخطأ صحيحاً ، فأنت مثلًا تظن بوجود الماء هنا وليس ألّا سرباً فكيف حصل الاندماج بين الذات والموضوع فإذا قلت : الموضوع هنا هو ذات السراب قلنا فيكف زعمت أنه ماء . ثم كيف تميّز بين الخطأ والصحيح ، ما دام كل منهما اندماجاً مع واقع موضوعي قائم ؟ ثم المحايثة وهي التي تعنى احتواء العقل على عناصر المعرفة انها هي الأخرى لا تجدي نفعاً في توثْيق المعارف إذ المحايثة لا تستطيع ان تميز بين الصحيح والخطأ . بلى إذا كانت المحايثة ، بمعنى وجود مسبقات ذهنية يستطيع العقل معرفة الحقائق بها من قبيل الأحكام العقلية التي آمن بها الفلاسفة ، أو المقولات التي جاء بها « كانت » أو ما أشبه ، فإنها تملك رصيداً من الصحة فمعروف ان العقل لا يمكنه ان يعرف شيئاً لو لم يكن قابلًا لوعيه . والاحكام العقلية أو ما أشبهها هي تلك الحالة التي توجد في الذات ( العقل ) تستطيع بها استقبال الحقائق . اما اعتراف الواقعية بالمحايثة المستقلة ، فإنها نوع من مدارك الموضوع لكي لا يقع الانسان في خطأ المثالية . ولكن إذا قلنا العقل يكشف ذاته بالعلم فما الذي يدعونا إلى الاعتراف بوجود الحقائق الخارجية اساساً ؟